- Nora Alfares

- May 14, 2025
- 2 min read
Updated: May 21, 2025
أجد نفسي أتخبط بين أبعاد يأسٍ، محاصرًا بمساحةٍ ضئيلةٍ، بحجم مسامٍ لا أكثر. أرفع صوتي إلى السماء، مُناجيًا إلهي، فيغمرني اتساع الكون بألف سؤالٍ يتردد في أعماق نفسي، ثم أعود لأسلم أمري مجددًا.
يومًا بعد يوم، أتّشح بابتسامتي كما يضع المرء الساعة في معصمه.
أتتبع مرور الأيام وأنا أنوح على آلامي.
قلمي، الكئيب الآن، يتحرك ببطء. إنه مجبر على التعبير عما يكمن في داخلي. منهكًا وهرمًا، يتآكل مع كل كلمة أكتبها، تمامًا كما تفعل روحي.
"دعيني وشأني" يناديني بصوت أجش، يخدش جلد الورقة، كما تُلحّ عليّ أصوات الآخرين لمداواة جراحهم ومحو ندوبهم، أُلاقيهم كما أُلاقيه، بنفس الهيئة: تلك الابتسامة الخادعة. بينما لا أحد يرى السهام التي تمزق ظهري. كيف يرونها وأنا لا أستدير، متجاهلاً من يستنجد بي؟
عريضٌ هو جمهور المحبين، أليس كذلك؟! تتعالى هتافات المودة والتبجيل، وتخفت النبرة وتتحشرج حسب الحاجة، لكن ما إن تجثو نفسي مجهدةً حتى يسود الصمت ويخلو المكان. فقد اختفى الأنا الجبّار، المبتسم دائمًا، وحلّ مكانه إرهاقٌ بهيئة إنسان. أفلا يحق لهذا الأنا (استراحة محارب) ليومين، لساعتين حتى؟ أم أن الحكمة تُملي قتل الحصان المُنهك؟
أجد نفسي جاذبًا للأنصاف: أنصاف البشر، وأنصاف الفرص، وأنصاف القصص. لا شيء يكتمل أبدًا، سوى ضيق صدري الذي يزداد كنبعٍ لا ينضب.
أنعزل ليلاً في كهف أفكاري، مبتعدًا عن تفاهة العالم، أهرب من هرطقة الحوارات، المحادثات الجوفاء وزيف الصداقات.
أعيش بين أوراقي وخططي، ولا أنتهي حتى يمضغني النعاس، لأستيقظ في اليوم التالي، مستهلكاً منشغلاً بفوضى الكتابة، متناسيًا ضجيج الإرهاق.
أعود لأرتدي عباءة البطل الخارق، وأمسك عصا الحكيم صاحب الحلول، وأتجرد من هويتي ومن حقيقة كياني بأكمله. إلا أن أخلو إلى ذاتي، فأجد العزاء في الحقيقة كما أنا اليوم وأسألها: من أنا؟
تلتف إليّ وتنظر في عيني مليًا، وتجيب:
أنا كائن يبحث عن إجابة. لستُ أنثىً تسعى وراء آخر صيحات التبرج، ولا رجلًا يبحث عن أفضل المنتجات لتسريح لحيته. أنا كائن يسأل عن معنى الحياة، يغوص في عمق المعاني، فبساطة السطح تزعجني. أنا حالة وجدانية عميقة لا نهاية لها ولا حدود. أنا كونٌ، أنا زمنٌ، أنا فضول.
آلاف الصناديق في متاهات ذهني تتفتح في آنٍ واحد، ليبدأ سباقٌ بطول الأربع والعشرين ساعة، بين صورٍ تومض بسرعة الضوء، وجوهٍ وأحداثٍ من الماضي، لائحةٍ للتنفيذ من الحاضر، وألفٌ وعشرون سؤالًا من المستقبل.
أنا إنسان أعقد من حدود جسدي، روحي عنقاء حبيسة بين قضبان هذا الفاني. عنقاء تموت وتحيى بين السؤال والآخر، فتبقى عالقة بين أسوار عالمين. فإن الوقت لم يحن لتحلق بين السماوات، ولا أحطاط الأرض تتسع لجناحيها.
أطالع وجه ذاتي بعد كلامها فأقول لها بعينين ذابلتين: لقد أتى منقذنا من صخب امتلائنا، هو هذا النوم، نذير السلام، فلنرتمي في أحضان اللاوعي، حيث ننعم بالفراغ الصامت.
