top of page

صوتٌ هاربٌ من الذاكرة ناداها،

بدأت ملامح وجهٍ تنعكس أمامها في المرآة.

قالت بصوتٍ خافت:

(أنتَ لستَ هنا… لستَ حقيقيًا.)

أشاح بعينيه إلى حوض الاستحمام، كأنّما هناك مكان اللقاء.

فارقت المرآة، كأنّ شيئًا فيها قرّر الاستسلام مؤقّتًا، وبدأت بتحضير حوض الاستحمام. ملأته بالماء، ثم أخرجت من إحدى حقائبها بعض الصابون المعطّر، وبعض الزيوت العطرية، وشمعتين فواحتين برائحة اللافندر. وبعد أن امتلأ الحوض، نثرت فيه قبضة أملاح، وألقت بالصابون، وبزيت الورد الجوري وزيت شجرة الشاي.

أشعلت الشمعتين، رفعت صوت الساكسفون، وأطفأت النور.

رفعت شعرها بعشوائية وجمعته بملقطٍ ذهبيّ اللون، خلعت ثوبها، وتوقّفت لحظة تتأمّل ثنايا جسدها وهي تتحسّس نعومة بشرتها، كأنها تستمتع بتفاصيل جمالها.

انزلقت إلى الماء الدافئ واسترخت.

انسابت الموسيقى في المكان، وكأنّ كل نوتة تمارس الحب مع كل نفحة عطر، فيما امتزجت آهاتها بقطرات الماء التي غلّفت مسامات جسدها.

مرّرت أطراف أناملها بنعومة على فخذها، صاعدةً ببطء حتى استقرّت على صدرها. عانقته بكفّ يدها برقّة، ثم حرّرته. كان المكان يضجّ بالإثارة والشغف، كأنّه في حضرة إلهة الخصب والحب.


أغمضت عينيها، تداعب خيالها بأفكارٍ ومشاعر مثيرة، كما تداعب يدُها جسدَها المستسلم لسطوة دفء الماء. ومع تتابع اللحظات وتسارع أنفاسها، بلغت حيث اللامكان واللازمان، وغمر الكون مدٌّ من آهات النشوة العارمة. ثم بدأ الضجيج ينحسر، وهدأ الجسد، وعاد إلى استرخائه.


مرّت ساعةٌ انهزاميّة أمام طيفِ ذلك الآتي من الماضي. استبدلت عبوديّة جسدها للماء بتقييده بأحد المناشف المطويّة على رفٍّ فوق الحوض. نفخت نفسًا متثاقلاً أنهت به رحلة ذوبان الشموع، وبانطفائها تلاشت لحظة التجلّي… لحظة التخلّي، وتلاشت معها ملامح ذلك الغريب القريب خلف بوابة الخيال.

Recent Posts

See All
bottom of page