top of page

Updated: May 21, 2025

(مستوحى من مقطوعة موسيقية)

 

بابٌ يبرق كنور القمر، مرصعاً بالتشويق، بكل حماسٍ وإثارةٍ، قبّلته بيدها، دفعته بقوة ودخلت. 

وجدت نفسها أمام وردةٍ حمراء فتيّة تغطيها حبّات الندى، التقطتها، التقطت حبها الأول، وما إن اقتربت لتشتم عطر شعورها الأول حتى سمعت طبول الحرب تقرع بعنف وحزم. سمعت صوت الرصاص في كل مكان، بات المشهد يسيل دماءً، تشققت أوراق الوردة وذبلت داخل قبضتها وامتزجت بنبض الألم المنساب من عروق كفها. كان لا بدَّ أن يفترقا، فالحرب بدأت. 

نظرت إلى آخر القاعة فرأت باباً أسود، خالي المعالم. فتحته رويداً وبدأت تخطو إلى الأمام. 

كان المكان حالكاً، شعرت بالخوف إلا أنها قبلت بقرار القدر. جالت مقلتيها في المكان وبالكاد استطاعت رؤية بعض الأعشاب والأشجار حولها. ما هي إلا لحظات وبدأت تسحبها براثن الظلم وتمزقها، تمضغها بلا رحمة، حتى هوت أرضاً. كانت روحها تصرخ داخل جسدها الصامت، ويتردد صدى المأساة في أرجاء روحها لكنه ينعكس صمتاً حولها، لأن هول الصدمة كان أكبر من حروف كلمات أي أبجدية عرفتها البشرية يوماً. موجات صوت الأنين كانت أعلى من ترددات الأصوات التي تستطيع أذن إنسان أن تدركها. 

جذبت حطام بقاياها ببطء، تحبو في قاع الواقع وتحاول الوقوف واستدراك ما بقي من حياتها. زحفت نحو فتحة ضوء بدت في إحدى جوانب المكان.

كان الخروج من ذلك الاكتئاب والافتراس النفسي يدمي وجدانها أكثر فأكثر. كان الانسلاخ عن التقوقع في داخلها أشد وطأة مما حدث لها. تمزقت بعنفٍ وهي تفارق الظلام وتجرّ أشلائها عبر تلك الهوّة. لامست قدماها بهدوء أرض القاعة الثالثة وبدأت تتجول في المكان، كانت مغطاةً بالزهور، إلا أن الأشواك كانت تخرج من كل مسامٍ فيها. وفي كل خطوة كانت الأشواك تسرق قطعة من ردائها أو رقعة من جلدها، ورغم هذه الآلام إلا أنها أبت البحث عن المخرج من هذه القاعة. فذكرى معاناة القاعة المظلمة لم تفارقها لحظة، مما جعلها ترتعد لمجرد التفكير بما ينتظرها في محطتها التالية، فكان اختيارها أهون الشرّين. 

لبثت أياماً وشهوراً تلتف حول المكان وحول نفسها كسجينة سجنت نفسها بملأ إرادتها في مكانٍ يسرق ما بقي منها، إلى أن أتى ذلك اليوم الذي سئمت فيه من واقعها المرير.

بدأت تبحث عن المخرج، لا مخرج حولها، لربما هناك.. تحتها.. بدأت تزيح النباتات بقوة فيما بدأت الدماء تقطر من يديها. وبعد عدة أشهر، وجدت تلك البوابة الخشبية، كانت تفضي إلى قاعة حجريةٍ فارغة، لا شيء فيها سوى فراشٍ، قارورة ماء وصفيحة معدنية عليها بعض بلسم الجراح. حدثت نفسها: "هذه هي قاعة الراحة، هنا سأستريح". روت عطشها، طببت جراحها واستلقت في الفراش ثم دخلت في نوم وجودي عميق.

بقيت في ذلك السُبات لوقت طويل وقد غطتها قشور الجمود والرتابة، إلى أن فتحت عينيها يوماً وبدأت تكسر تلك القشور الملتفة حولها وتنفضها عنها بكل حيوية، ثم قفزت من فراشها تبحث عن المخرج. 

لا مخرج حولها. هناك حل من اثنين: العودة إلى أحد المحطات السابقة لتكون أسيرة ذاكرتها أو البقاء هنا للأبد. 

صرخت بصوتٍ عالٍ: "لن أكون حبيسة ترهات القدر!" 

أخذت تلك الصفيحة المعدنية وباشرت تحك الحائط لأيامٍ عديدةٍ، حتى دخل النور من ذلك الشقّ يرشدها إلى المبتغى. فانسحبت من أبواب الماضي، وخطّت بيدها ملامح قدرها، تركت تلك الذكريات خلفها وركضت حرةً في طبيعة خلاّبة، تكتشف الحياة بجمالها وتحدياتها بكل شغف، وتتجه بخطى ثابتة نحو عالمٍ رسمته في مخيلتها، تتلاقى فيه مع أحلامها.

bottom of page