- Nora Alfares

- Mar 12
- 2 min read
هل خطر لكم يومًا أنّ بعض الزلازل، وإن رجفت لها الأرواح، إنما تأتي لتوقظ فينا ما غفا طويلًا؟
أنّ العواصف، على صخبها، لا تقتلع دائمًا… بل تنفض الغبار عن جوهرٍ كدنا ننساه؟
أنّ من تضاعيف الأزمات ينبثق ضوءٌ خافت، لا يُرى إلا حين تنطفئ الأضواء المصطنعة؟
هذا البلد لم يكن يومًا مجرّد أرضٍ تُشاد عليها الأبراج، بل كان فسحةَ طموح، وساحةَ لقاء، وملاذَ أحلامٍ جاءت من الجهات الأربع. غير أنّ المسافة لم تكن بيننا وبين المكان… بل بين بعضنا بعضًا. التقينا غرباء، نحمل جنسياتٍ ولهجاتٍ ومعتقداتٍ شتّى، فاكتفينا بسطح الحكاية، صافحنا دون أن نقترب، وتجاورنا دون أن نتجاور حقًا.
صرنا كعابري محطةٍ تتقاطع فيها الخطى، وجوهٌ تمضي، وأسماءٌ تتلاشى، وحياةٌ مؤجّلة إلى إشعارٍ آخر.
ثم جاءت المحنة… فأسقطت الزوائد، وجرّدت الكلمات من زخرفها، ولم تُبقِ في الواجهة سوى كلمةٍ واحدة: الإنسان.
بعد عامٍ ونصف، وجدتني أطرق باب جاري الذي لم أعرف اسمه من قبل، أنضمّ إلى مجموعةٍ لأهل الحيّ، أقرأ رسائل بسيطة، لكنها دافئة… كأنها تقول: نحن هنا. معًا.
كأنّ الخوف أعاد إلينا ما اختطفته العجلة، وكأنّ القلق ذكّرنا بأنّ القرب ليس ترفًا، بل ضرورة.
في اللحظات العصيبة، يتعرّى السؤال: أين أريد أن أكون إن ضاقت الأرض؟ ومع من أختار الصمود إن اشتدّ الامتحان؟ وما الذي أهملته وأنا أركض خلف المواعيد والأرقام والإنجازات؟
أما أنا… فجوابي لا يعرف التردّد.
أريد أن أكون هنا. في هذه البقعة التي تعلّمنا فيها كيف نُشيّد من الصحراء مدينة، وكيف نحوّل التنوّع إلى قوّة.
أريد أن أكون إلى جوار عائلتي، وقرب أولئك الذين يعرفون اسمي حين يسقط عنّي اللقب، ويرونني إنسانةً قبل أي تعريفٍ آخر.
أريد أن أستعيد ما أدرتُ له ظهري طويلًا: الحبّ البسيط، القرب الصادق، والوجود الحقيقي غير المعلّق بشروطٍ ولا مؤجّلٍ بحسابات.
وإن غدا هذا المكان — لا قدّر الله — موضع خوف، فلن تكون بقعةٌ أخرى في العالم حصنًا مطلقًا؛ فالأمان ليس حدودًا تُرسم، بل قلوبًا تتشابك، وأرواحًا تقول: لن نترك بعضنا.
تأمّلوا اليوم أثمن ما تملكون، قبل أن تعلّمكم الأيام قيمته بعد فوات الأوان.
إنّه نداءُ محبّة… لا قرعُ طبول حرب، بل دعوةٌ لأن نكون أكثر إنسانية، وأشدّ قربًا… قبل أن تفرض المسافات شروطها.
