top of page

التوازن في الدائرة - بسيم الريس
التوازن في الدائرة - بسيم الريس

لوحة بعنوان (التوازن في الدائرة) للفنان (بسيم الريس)، سنة الإنتاج: 2013، الحجم: 140 × 100 سم، الخامة: مواد مختلطة (أساسي: أكريليك على قماش كانفاس.)



أنت تستعمل مرآة زجاجية لرؤية وجهك، وتستعمل الفن لترى روحك." هكذا وصف الأديب الإيرلندي جورج برنارد شو الفن.

يُعتبر الفن أحد أجمل تجسيدات الواقع وأرقى الوسائل للتعبير عما يجول في عقولنا وما يختبئ في أعماق أرواحنا. ومن أبرز الأعمال الفنية التي تجسد إنسانيتنا وتلامس مشاعرنا بشفافية هي سلسلة لوحات الفنان بسيم الريس، التي تتميز بشخصية "واي"، والتي أبدعها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، مستلهمًا اسمها من كلمة "لماذا" باللغة الإنجليزية.


بسيم الريس، الرسام التعبيري السوري، الذي يمتلك مسيرة فنية غنية تمتد لسنوات عديدة، نجح من خلال هذه السلسلة في تفسير غموض النفس البشرية وشرح الحالات الوجدانية وتعقيد الفكر الإنساني بأساليب فريدة، من خلال حوار محسوس بينه وبين الشخصية. تناول موضوعات متنوعة، ليأخذنا في رحلة فنية رائعة عبر أجنحة موهبته، مستكشفًا أماكن وثقافات مختلفة. كان "واي" يسأل نيابةً عن عين المتذوق للفن، بينما قدم الرسام إجابات احترافية وإبداعية، موفّرًا لنا هذه السلسلة المتميزة ذات البعد الفلسفي العميق، ومن أهمها لوحة تحمل عنوان "توازن في الدائرة".


في الجزء الأمامي من هذه القطعة الفنية، يتجلى جسد الشخصية مغطى باللون الأسود، مما يعكس الكآبة التي تسللت إلى نفسه نتيجة الفجوة بين الواقع وأحلامه. تبرز هذه الأحلام على هيئة حروف تتوزع على جسده باللون الرمادي الفاتح، لتعبرعن بداية تلاشي الأمل في تحقيقها.


تظهر وضعية الجسد بشكل غير ثابت، وكأنه يكافح جاهداً لتفادي السقوط، تروي قدماه صراعاته الداخلية ما بين الاستسلام والمقاومة. فإحدى قدميه تتشبث بقوة بالأرض، مما يدل على إصراره على النجاة والوصول إلى هدفه، بينما تعكس المياه التي تغمر الأرض حالة من الوهم وعدم الاستقرار. أما الساق الأخرى، فقد ارتفعت في حالة من عدم السيطرة، محاولةً تحقيق التوازن في الفراغ الأصفر الشاحب، الذي يكتظ بظلال فاتحة وأخرى داكنة، مما يعزز شعورًا قويًا باليأس. ومع ذلك، يكسر الأمل هذا الشعور من خلال عيني الشخصية، التي تتطلع بصفاء نحو السماء، حاملةً شيئًا من التمني والرجاء.


في أي عمل فني، يجدر بالمتلقي منح الوقت الكافي للعمل، للتمعن فيه واحتسائه بهدوء، ليتمكن من قراءته بدقة. يجب الوقوف عند كل تفصيل والتأمل بصمت عميق وبذهن صافٍ، ليتمكن من تذوق ثمار الإبداع والجهد المبذول، وتقدير القيمة الحقيقية للقطعة. ففي إحدى أصغر التفاصيل في هذه اللوحة، نلمس أعنف الانفعالات لدى "واي"، مما يعد دليلاً واضحًا على الذكاء التعبيري والأداء الأنيق، البعيد كل البعد عن التكلف والمبالغة في إيصال الشعور.


نلاحظ قطرات صغيرة تنطلق بعشوائية من مسامات رأسه، لتشق طريقها بين خصلات شعره، وتتوزع في المجال القريب حول نصفه العلوي، بألوان مثل الأزرق والأخضر والبرتقالي، وهي ألوان شاذة بصخبها، وغير منسجمة مع الألوان الباهتة التي تسيطر على الأجواء العامة للوحة، وكأنها صوت يعلن بدء العد التنازلي لانفجار رأسه من شدة تساؤلاته وضياعه في متاهات فوضى التفكير.

في الجزء السفلي من اللوحة، خلف القدم المتكئة على الأرض، نشاهد مجموعة من الدوائر، منها أحمر قاني ومنها أحمر داكن، وبعضها دمجها الرسام بلمسات من اللون الرمادي الفاتح، مانحاً بها إجابته النهائية للشخصية: "نعم، مستر واي، إنها عجلة الأيام.. تدور بقسوتها لتطحن أمنياتك وأحلامك، فتحلى بالإيمان وتشبث كما استطعت سبيلاً".


بينما نغلق الستارة على هذا المشهد الذي يجسد الحوار العميق والشيق، نشعر وكأننا قد انتقلنا إلى عالم آخر، تتعانق فيه الآمال والآلام في فضاء مشبع بالأطياف والانفعالات الوجدانية. تغمرنا جماليات اللوحة، ونبدأ حواراً صريحاً مع ذواتنا، لنفهم مبتغاها ونسعى لتحقيقه في كل لحظة، حتى لا تمر عجلة الأيام مطفئة ذلك النور الساطع الذي يتراقص في أعماقنا، فنغدو أشباحًا هائمة في كون مظلم، رتيب، كئيب، وخالٍ من الحياة.


في الختام، لا يحثنا هذا العمل على الغوص في أعماق عواطفنا فحسب، بل إنه نداء يتردد صداه في أذهاننا ليذكرنا بقدرة الفن على تجسيد الحالة الإنسانية، وإلهام الأمل وسط اليأس.

bottom of page